الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

188

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى فتحة لتفيد معنى مصدريا مشربا ب ( أن ) المصدرية إشرابا بديعا جعل شعاره فتح همزتها لتشابه ( أن ) المصدرية في فتح الهمزة وتشابه ( أنّ ) في تشديد النون ، وهذا من دقيق الوضع في اللغة العربية . وتكون أَنَّما مفتوحة الهمزة إذا جعلت معمولة لعامل في الكلام . والذي يقتضيه مقام الكلام هنا أن فتح همزة أَنَّما لأجل لام تعليل مقدرة مجرور بها أَنَّما . والتقدير : إلّا لأنما أنا نذير ، أي إلا لعلّة الإنذار ، أي ما أوحي إلي نبأ الملأ الأعلى إلا لأنذركم به ، أي ليس لمجرد القصص . فالاستثناء من علل ، وقد نزّل فعل يُوحى منزلة اللازم ، أي ما يوحى إلي وحي فلا يقدّر له مفعول لقلة جدواه وإيثار جدوى تعليل الوحي . وبهذا التقدير تكمل المناسبة بين موقع هذه الجملة وموقع جملة ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ المبيّنة بها جملة قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ، إذ لا مناسبة لو جعل أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ مستثنى من نائب فاعل الوحي بأن يقدر : إن يوحى إليّ شيء إلا أنما أنا نذير مبين ، أي ما يوحى إليّ شيء إلا كوني نذيرا ، وإن كان ذلك التقدير قد يسبق إلى الوهم لكنه بالتأمل يتّضح رجحان تقدير العلة عليه . فأفادت جملة إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ حصر حكمة ما يأتيه من الوحي في حصول الإنذار وحصر صفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في صفة النذارة ، ويستلزم هذان الحصران حصرا ثالثا ، وهو أن إخبار القرآن وحي من اللّه وليست أساطير الأولين كما زعموا . فحصل في هذه الجملة ثلاثة حصور : اثنان منها بصريح اللفظ ، والثالث بكناية الكلام ، وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [ القصص : 46 ] . وهذه الحصور : اثنان منها إضافيان ، وهما قصر ما يوحى إليه على علة النذارة وقصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على صفة النذارة ، وكلاهما قلب لاعتقادهم أنهم يسمعون القرآن ليتخذوه لعبا واعتقادهم أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ساحر أو مجنون . وعلم من هذا أن ذكر نبأ خلق آدم قصد به الإنذار من كيد الشيطان . وقرأ أبو جعفر إلا إنما بكسر همزة إنما على تقدير القول ، أي ما يوحى إلا هذا الكلام . [ 71 - 74 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 71 إلى 74 ] إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 72 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 73 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 74 )